الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

55

نفحات الولاية

إلى الخوارج : إن سرت يا أمير المؤمنين في هذا الوقت خشيت ألا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم . فغضب عليه السلام ورد كلامه وأنّ من صدقه فقد كذب القرآن الكريم واستغنى عن الاستعانة باللَّه في نيل المحبوب ودفع المكروه . ثم نهى الإمام عليه السلام الناس عن تعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر . كما تظافرت الروايات والأخبار التي وردتنا عن أئمة العصمة عليهم السلام بذم دلك العلم من النجوم ، لتجعل المنجم في مصاف الكاهن والساحر الذي عد كافرا . ومن ذلك ما ورد عن رسول‌اللَّه صلى الله عليه وآله أنّه قال : « من صدق كاهنا أو منجما فهو كافر بما أنزل على محمد » « 1 » ، وعدة أحاديث بهذا الشأن ، لاشك أنّ قدماء المنجمين كانوا على مذاهب بالنسبة لإرتباط الكواكب بمصير الإنسان والتي بينت بصورة تامة في شرح الخطبة 79 . ولعله يمكن القول أنّ هذه الروايات ناظرة إلى الأفراد الذين يرون تدبير هذا العالم بيد هذه الكوكب وأنّ لها نوع من الألوهية . نعم ليس من الكفر أن يقال للكواكب دلالة فقط على وقوع مثل هذه الحوادث ( بأمراللَّه ) ؛ ولكن ليس هناك من دليل لاثبات هذا الأمر . فلهذه الكواكب عوالمها ، كما للكرة الأرضية وسكانها عالم . ولم يقم أي دليل علمي على الرابطة المذكورة ، مثلًا طلوع الكوكب الفلاني وغروب الكوكب الفلاني أو إقتران هذا الكوكب مع ذاك مؤثر في نشوب الحرب أو السلم ؛ كما لا يمكن في نفس الوقت نفي هذا التأثير بصورة قاطعة وإن سمع ذلك من غير المعصوم . طبعاً لا يسعنا التنكر لما ورد في بعض الروايات التي صرحت بكراهية الزواج والقمر في العقرب ، إلّاأننا أشرنا في حينه إلى عدم وجود أي تضارب بهذا الخصوص . ومن هنا فان السعد والنحس الذي ورد في الخطبة قد يكون إشارة إلى هذه الأمور . كما يحتمل أن تكون لأوضاع الكواكب - ولا سيما سيارات المنظومة الشمسية - في مداراتها مقارنة مع بعضها البعض الآخر بعض التأثيرات الطبيعية على الكرة الأرضية . فمثلًا نعلم أن ظاهرة المد والجزر التي تشهدها البحار إنّما تنشأ بفعل تأثير جاذبية القمر ( إثر اقتراب الشمس من القمر أوائل الشهر وآخره ) ولعل تأثيرها يتجاوز البحار لتوثر حتى على سطح الأرض ممّا يؤدي إلى تشققها وحدوث بعض الزلازل . كما قد يسبب ذلك التأثير هطول بعض الأمطار الغزيرة على الأرض وعليه فقد يكون السعد والنحس للكواكب إشارة إلى هذا التأثير الطبيعي الخاص .

--> ( 1 ) وسائل الشيعة 12 / 104 . للوقوف على سائر الأحاديث الواردة بهذا الشأن راجع الباب 24 من أبواب ما يكتسب به .